أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

139

قهوة الإنشاء

إلا كانت قاصرة عن الجري في ميدانها ، ولا ذكرت التواريخ المتقدمة معها إلا تأخرت وكبت خلفها ، ولا ناظرها ذو قصص إلا ثقل عليه أمرها ونظر إلى قصصه فاستخفّها ، ولا بالغ أهل التقاريض في تقاريضهم إلا وكانت دونها . واستحق لها هذا الوصف في ذمة أهل الأدب فاستوفت منهم ديونها . فلو نظر الصفدي إلى هذا التاريخ وراجع النظر في تأريخه لسلخ جلده ، أو تصفحه الكتبي لعدّد على تأريخه وما عدّه ، أو كاثره ابن كثير لرأى نقصه متزايدا عنده ، أو عاصره ابن خلكان لقال : « لم أمازج شراب الفقاعي بخلّي فإن عنده حمضه وبرده » ، أو لمحه الذهبي وموّه بتأريخه لقيل له : « هذا ما ينطلي معه » ، وعلم أن خلاصة الذهب تظهر بالسبك فهضم من جانبه ووضعه ، ولو أدركه البديع لذمّ « 1 » بديعه وعلم أنه بدعه ، أو لحقه الوهراني لرآه في المنام أن حصل له بعد مطالعته هجعه . ونسب هذا التأليف إلى الدولة المؤيدية فصار على أهل الأدب صولة ، فلو ناظره مؤلّف بمجلد لقلنا : « هذا جراب الدولة ، تحمّس في شعره وتغالى فما أبقى لنا في سوق الكلام رخصه » . فلو زايده أبو تمام لتحقق عجزه وأرانا بنفسه نقصه . نعم هذه الأشعار التي ما زاحمها شاعر ببيوته إلّا تلت له بعد الزلزلة في الواقعة ، وتقوم القيامة « 2 » وهي إلى الحشر مرمية على القارعة ، ولقد أقام أوزانها بالقسط ولكن رجحها على القيراطي بفضله ، ونقص عنها الراجح الحلّي لأن فيها زيادة على مثله « 3 » . فيا له من شعر قصر عن بحره الطويل « 4 » كلّ معارض ، وكيف لا وناظمه ذو همة عالية وناهض وابن ناهض ، ولقد وقف ابن حجّة وقوف معترف أن عنده في نظمه وقفه ، وسيكتب المقر البدري على اعترافه فإنه قاضي الأدب * وإمامه الذي صلّت البلغاء خلفه . وفتحت لعلماء الأدب * « 5 » هذا الباب وأرجو أن يكون فتحه مبينا ، وإن رضوا بي « 6 » براعة يحسنوا « 7 » الختام ، وإذا حصل العلل من هذا المنهل روينا ، نعم « 8 » وقفت وغير خاف عن علومهم الكريمة أنّ شرط الواقف ما يهمل ، وامتثلت

--> ( 1 ) لذمّ : طب : لزم . ( 2 ) القيامة : بر : يوم القيامة . ( 3 ) مثله : ق : نقله . ( 4 ) الطويل : طب : النيل . ( 5 ) ما بين النجمتين ساقط من ق . ( 6 ) رضوا بي : قا : رضويي ؛ طا ، طب ، ق ، تو ، ها : رضوني . ( 7 ) يحسنوا : تو ، ها : يحسن . ( 8 ) نعم : ساقط من طب ومكانه بياض قدر كلمة واحدة .